ذات صباح، خرجت من المنزل ذاهبًا إلى المدرسة. كنت في الصف الأول الثانوي، وكانت المدرسة بعيدة جدًا عن المنزل، فكنت أستقل مواصلتين حتى أصل إليها.
وصلت إلى موقف السيارات، وركبت وحدي في المقعد الأمامي في سيارة أجرة، وجلست أنتظر حتى يكتمل عدد الركاب. بعد بضع دقائق، جاءت “جيهان” — حب الطفولة، وأول حب في حياتي — فركبت في المقعد الخلفي برفقة اثنتين من صديقاتها. كانت تجلس في أقصى يسار السيارة، خلف مقعد السائق.
احمرّ وجهي، وكنت بطبعي خجولًا جدًا، لكنني أردت أن أملأ عيني منها، فقد كنت لم أرها منذ فترة. حاولت أن أنظر إليها في مرآة السيارة، لكنها لم تكن ظاهرة فيها. أردت أن أتحرك قليلًا ناحية السائق حتى أستطيع رؤيتها، لكن خجلي منعني، وقلت في نفسي إن الأمر سيكون واضحًا جدًا، وإنني سألفت انتباه صديقاتها، على الرغم من أنهن كنّ يعلمن بما أكنّه لها في صدري، وكانت هي الأخرى تعلم.
بدأ السائق في تشغيل السيارة استعدادًا للانطلاق، وإذا بشخص يفتح الباب الأمامي ويهمّ بالجلوس إلى جواري. كان أستاذي في المدرسة، مدرس مادة اللغة الفرنسية. وعلى الرغم من أنني لم أكن أطيق هذا الأستاذ، وكانت كلماته ثقيلة على نفسي، فإنني أحببته في تلك اللحظة حين جاء وجلس إلى جواري؛ لأنه جعلني أتحرك، وأصبح في الموضع المناسب أمام المرآة، فسنحت لي الفرصة للنظر إلى المحبوبة.
انطلق السائق، وعلى الرغم من أنني أصبحت في المكان المناسب، فإن خجلي كان لا يزال يمنعني من النظر إليها في المرآة، لكنني قاومته حتى استرقت نظرة إليها، فوجدتها تنظر من النافذة، تتأمل الطريق.
كانت جيهان ذات جمال شامي، وملامح رقيقة، وصوت هادئ، وكانت خجولة جدًا، مثلي تمامًا. فلما شعرت بنظرتي إليها، احمرّ وجهها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة ما زلت أتذكرها حتى الآن. كانت نظرتي خاطفة، لم تتجاوز الثانيتين، ثم عاد الخجل ليتحكم بي.
وحين كدنا نصل إلى مدرستها، وكانت أقرب من مدرستي، قلت لنفسي: “نظرة أخرى، أطول قليلًا من سابقتها، فلم يرتوِ قلبي منها بعد.”
فلما نظرت، وكنت أنوي أن أطيل النظر، وجدتها تسترق نظرة إليّ! تلاقت أعيننا لثانية، ثم التفتُّ والتفتتْ سريعًا من شدة الخجل، واحمرّ وجهي حتى شعرت بحرارة تسري في جسدي كله.
توقفت السيارة أمام مدرستها، فنزلت هي وصديقاتها. نظرت إليهن وهن يسِرن نحو باب المدرسة، فرأيت زميلتها تضحك، بينما كانت جيهان تنظر إلى الأرض ووجهها محمرًا كالورد. كانت تلك نظرة سريعة أخيرة إليها، بينما كانت السيارة تتحرك من جديد.
وصلت إلى المدرسة، لكن وجهها ظل عالقًا في ذاكرتي.
ومن المؤسف أنني لم أرها بعد ذلك أبدًا. اختفت تمامًا. ظللت أنتظر رؤيتها مرة أخرى، لكنني لا أعلم أين ذهبت. اختفت… تبخرت.
أريد رؤيتها.
أريد أن أعرف ماذا حدث لها!