تخطي إلى المحتوى

ساعه في المستشفى العام

Ahmed Hamed كاتب المقال
June 27, 2026 2 دقائق قراءة

**الرداء الأبيض**

ذهبتُ إلى المستشفى للكشف على صديق، برفقة صديقٍ آخر. دخلا إلى الطبيب، وجلستُ أنا على أحد مقاعد الانتظار.

وأثناء انتظاري، لفت نظري رداءٌ أبيض كامل. رفعتُ بصري لأرى وجهًا في غاية الجمال؛ بشرةً بيضاء تكاد لا تُفرَّق عن بياض زيّها الخاص بالتمريض، وخصلةَ شعرٍ منسدلةً على ذلك الوجه القمري حتى لامست أنفها. أنفٌ صغير مدبب، بالكاد تستطيع تمييزه في ذلك الوجه الطفولي، ناهيك عن القوام الممشوق الذي تحسب أنه قد رُسم رسمًا من شدة رشاقته.

ظلت واقفة أمامي، وكأنها تنتظر أحدًا.

وفي اللحظة نفسها، سمعتُ صرخةً مدوية خرجت من حنجرة رجل. التفتُّ إلى مصدر الصوت، فإذا برجل يخرج من باب الطوارئ ممسكًا بشاب في الثلاثين من عمره، كان يصرخ صراخًا مفزعًا. جلس الشاب على الأرض، وأسند ظهره إلى الحائط، وأخذ يلطم وجهه بعنف، بالكاد استطاع من بجواره ان يمنعه عن اللطم.

لم أكن أعلم سبب كل هذا الانهيار، فحاولت أن أسترق السمع. عرفت أن شخصًا قد مات… وأظنه كان أخاه.

وبعد لحظات، خرجت فتاة منهارة من البكاء، وأرجح أنها كانت زوجة المتوفى.

وفي خضم كل تلك الصرخات، عادت عيناي إلى صاحبة الرداء الأبيض.

لم أجد على وجهها أي أثر للحزن أو الأسف، بل بدت متأففة، تتمتم بكلمات لم أسمعها، وكأن الصراخ قد أزعجها أكثر مما أثار تعاطفها.

تعجبت كثيرًا.

كيف لفتاة تبدو بهذه الرقة أن تقف بكل هذه الصلابة؟ فمن المعروف أن النساء رقيقات القلب، قد تؤثر فيهن مشاهد بسيطة، بل قد تبكي إحداهن لمشهد مؤثر في فيلم أو مسلسل.

فكيف بدا قلب تلك الفتاة بهذه البرودة؟

تعجبت، لأنني أنا نفسي تأثرت بالمشهد… أنا الذي نادرًا ما أتأثر بشيء، حتى الموت لا يهزني ما لم يكن بيني وبين المتوفى صلة أو معرفة.

خرج أصدقائي من عند الطبيب، وغادرنا المستشفى، ثم ذهب كلٌّ منا إلى منزله.

أما أنا، فقد ظللت أفكر في تلك الممرضة.

لم أعد أسأل: لماذا لم تبكِ؟

بل صرت أسأل:

كم مشهدَ فراقٍ يجب أن يراه الإنسان… حتى يتوقف وجهه عن التعبير؟

وربما لم يكن الرداء الأبيض قد صُمم ليستر الأجساد فحسب… بل ليخفي أيضًا ما تراكم في القلوب من وجع، بعد سنوات من الوقوف شاهدًا على الألم، حتى يصبح الصمت هو الطريقة الوحيدة للاستمرار.

مشاركة المقال

أضف تعليقاً