تخطي إلى المحتوى

لمسة سحرية.

Ahmed Hamed كاتب المقال
June 27, 2026 5 دقائق قراءة

كنتُ في المدرسة الابتدائية، في الصف الخامس أو السادس على الأرجح. لا أتذكر الرقم تحديدًا، لكنني أتذكر جيدًا ذلك الطفل الذي كنتُه: خجولًا، منكمشًا على نفسه، يراقب العالم أكثر مما يشارك فيه.

لم أكن من أولئك الأطفال الذين يملؤون الفناء ضجيجًا وضحكًا. كنت حاضرًا… لكن بصمت. أحب جميع زملائي، ولا أذكر أنني كرهت أحدًا يومًا، لكن الأمر كان أصعب من ذلك قليلًا؛ فكلما حاولت أن أندمج معهم حدثت كارثة صغيرة.

مرةً، كدتُ أفقد مستقبلي قبل أن يبدأ. كنت ألعب بالعصا مع أحد الأصدقاء، نلوّح بها كأننا محاربون في معركة خيالية. وفي لحظة حماس، لوّحتُ بالعصا خلف ظهري دون أن أنظر… لتصيب عين زميلة لنا في الفصل.

تورمت عينها بشدة حتى إنها لم تستطع فتحها لفترة طويلة. وحتى اليوم أعتقد أنني كنت قريبًا جدًا من أن أصبح أحد “أطفال الأحداث”، لولا أن أهلها كانوا طيبين ومتسامحين. الحمد لله… قدر الله وما شاء فعل.

لكن القصة الحقيقية بدأت بعد ذلك بقليل.

في أحد الأيام انتشر خبر في المدرسة: ستكون هناك مباراة كرة قدم. ربما كانت بين مدرستنا ومدرسة أخرى، أو ربما بين فصول المدرسة نفسها. التفاصيل ضبابية الآن، لكن ما أتذكره بوضوح هو الحماس الذي اجتاحني فجأة.

الغريب أنني، رغم انطوائيتي الشديدة، ورغم أن ٩٨٪ من طلاب المدرسة ربما لم يكونوا يعلمون أصلًا بوجود شخص اسمه أحمد حامد بينهم… شعرت يقينًا بأنهم سيختارونني لألعب في تلك المباراة المصيرية.

لا أعرف من أين جاءت تلك الثقة.

رغم أن صديقًا لي قال لي بعد إحدى المباريات التي لعبناها معًا جملة ما زالت ترن في أذني حتى اليوم:
“إنت المفروض تلعب مصارعة… مش كورة!” 😂

لكن ذلك لم يمنعني من الاستعداد.

فجأة تذكرت مشكلة كبيرة:
أنا لا أملك تيشيرت كرة قدم!

وكيف يمكن للاعب محترف — كما كنت أتخيل نفسي — أن يخوض مباراة مهمة دون تيشيرت كرة قدم حقيقي؟

طلبت من أبي أن يشتري لي واحدًا. وبعد نقاش قصير قال لي:
“إن شاء الله أجيب لك واحد يوم السبت.”

وكان يوم السبت عندنا يوم السوق، اليوم الذي يمكن أن تجد فيه كل شيء.

مرت الأيام ببطء، حتى جاء السبت المنتظر. كانت المباراة — على ما أذكر — يوم الأحد.

ذهب أبي إلى السوق.
وانتظرته.

عاد أخيرًا، وبدأ يخرج الأشياء التي اشتراها. كنت أراقب كل حركة بقلق وترقب.
هل سيكون تيشيرت **ريال مدريد**؟
أم **أرسنال**؟

ياااه… ولو كان **الأهلي**… وبالأخص **أبو تريكة**… سأطير من الفرح.

اقترب أبي وهو يحمل كيسًا أسود.

قال مبتسمًا:
“اتفضل يا سيدي… جبتلك اللي طلبته.”

أخذت الكيس بسرعة، وفتحته بلهفة…

… صمت.

الصمت الذي تسمعه في أفلام الغرب الأمريكي…
أو كما يقولون: صوت صرصور الحقل.

نظرت إلى التيشيرت في يدي، ثم إلى أبي.

“إيه ده؟!”

لم يكن تيشيرت فريق.
لم يكن حتى يشبه تيشيرت كرة قدم.

كان لونه بنفسجي، وله ياقة بيضاء غريبة. حتى اليوم أتذكر شكله جيدًا.

بدأت أتذمر… ثم أبكي.

“أنا كنت عايز تيشيرت كورة!”

كان أبي يحاول إقناعي بأنه جميل وأنيق، لكنني كنت طفلًا يرى العالم بطريقة بسيطة:
إما أن يكون التيشيرت لفريق مشهور… أو لا يكون شيئًا.

في تلك الأيام لم نكن ميسوري الحال كثيرًا. كنا بخير والحمد لله، لكن بعض الأشياء الصغيرة — التي تبدو عادية الآن — لم تكن متاحة دائمًا.

ومع ذلك كان أبي يحاول دائمًا أن يحقق لنا ما نستطيع.

بعد قليل من النقاش… وكثير من البكاء… قال أبي بهدوء:

“أنا هخلي التيشيرت ده أحلى تيشيرت كورة في المدرسة.”

هززت رأسي غير مقتنع.

لكن في تلك الليلة، جاء أبي بالتيشيرت، وقلم أبيض للتصحيح، وكرتونة نتيجة قديمة.

وقال لي:
“تعالى اقعد جنبي.”

كان خط أبي جميلًا… فيه روح فنية واضحة. بدأ يرسم بالقلم الرصاص على ظهر التيشيرت، وأنا أراقب بصمت، لا أفهم ما الذي يفعله.

ثم بدأ يملأ الخطوط بالقلم الأبيض.

وببطء… بدأت الصورة تتضح.

كان يكتب اسمي.

كتب على ظهر التيشيرت بخط عربي عريض وجميل:

**أحمد حامد**

شعرت بشيء يتغير داخلي.
شيئًا فشيئًا بدأ الإحباط يختفي.

قال لي:
“إيه رأيك؟”

قلت بصدق هذه المرة:
“حلو جدًا.”

ثم قال:
“اختار رقم نحطه.”

اخترت الرقم **7**.

كتبه بخط رائع… وعندما انتهى كنت في حالة من السعادة الحقيقية.

في تلك الأيام لم يكن أحد يرتدي تيشيرت كرة قدم مكتوبًا عليه اسمه.
وفجأة أصبح لدي تيشيرت… باسمي.

ربما لم يكن تيشيرت فريق عالمي.
لكنه كان **تيشيرتي أنا**.

جاء يوم المباراة.

استيقظت صباحًا بنشاط غير معتاد. ارتديت التيشيرت تحت قميص المدرسة، وكأنني أخفي سرًا صغيرًا.

وعندما رن جرس الفسحة، اندفع الجميع نحو فناء المدرسة.

خلعت قميص المدرسة…

وظهر التيشيرت.

كنت متوترًا.
هل سيضحكون؟
أم سيعجبهم؟

لكن لم يكن لدي وقت طويل للتفكير. ذهبت بسرعة لأعرف مركزي في الفريق.

بدأ الأستاذ يختار اللاعبين.

واحد… اثنان… ثلاثة…

حتى اكتمل الفريق.

ولم يتم اختياري.

وقفت للحظة أفكر:
طيب… وماذا عن التيشيرت؟
وماذا عن كل هذا الاستعداد؟!
وماذا عن البكاء؟!

لكن لا بأس.

بدأت المباراة، وتحولتُ من لاعب محتمل… إلى مشجع متحمس.

كان الفريق الآخر قويًا، وسجل هدفين في البداية.

لكن عندنا كان هناك لاعب اسمه **حمدي**.
كان موهوبًا بشكل مذهل.

قلب المباراة تقريبًا بمفرده، وسجل هدف الفوز في اللحظات الأخيرة.

من شدة الفرح ذهبت إليه… وقبّلت رأسه.

لأنه — ببساطة — فعل ما كنت سأفعله أنا… ووفر عليّ المجهود! 😄

بعد المباراة عدنا إلى الفصل.

وبدا أصحابي ينتبهون إلى التيشيرت المكتوب عليه اسمي، وأبدوا إعجابهم به جدًا، وهذا جعلني سعيدًا.

ظل هذا التيشيرت غاليًا وقريبًا من قلبي، على الرغم من أنني كنت أرفضه في بداية الأمر. لكن أبي يجعل كل شيء في حياتي جميلًا بلمسة سحرية، يحوّل كل شيء ليصبح أجمل شيء.

#Ahmed_Hamed_Morsy

مشاركة المقال

التعليقات (1)

  1. root

    ماشاء الله فنان

أضف تعليقاً